الكوكايين السلوكي
الكوكايين السلوكي
بين الحرية الرقمية وواجب الحماية القانونية للفئات الهشة
أعدها أ.م.د. معتز علي صبار
رئيس فرع القانون العام في كلية القانون بجامعة الأنبار
لم يعد الخطر المحدق بالأجيال الصاعدة مرتبطًا بالمخدرات التقليدية أو المؤثرات العقلية المعروفة، والتي واجهها المشرع مشكورا بقانون خاص مجرما كل أشكال التعامل غير المشروع فيها، بل أصبحنا اليوم أمام نمط جديد من الإدمان أكثر خفاءً وأشد تأثيرًا في البنية النفسية والسلوكية للشباب، وهو ما أسميه في هذا المقال مجازا "الكوكايين السلوكي" ذلك الارتباط القهري بمنصات التواصل الاجتماعي وما تنتجه خوارزمياتها المصممة لجذب الانتباه واستبقاء المستخدم في فضائها إلى أقصى حد.
هذه الخوارزميات ليست نشاطًا عفويًا، بل هي نتاج مباشر للتلاقح والدمج بين علوم الأعصاب والبرمجة السلوكية، الساحرة في تأثيرها على غالبية أفراد المجتمع لكنها تستهدف بشكل خاص المراهقين والشباب بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة أمام الإغراء الرقمي، وقد انعكس هذا السلوك على واقعنا الاجتماعي بشكل واضح؛ متسببا في ضعف التركيز، وتشتت الانتباه، واضطراب النوم، وانخفاض الدافعية الدراسية، حتى باتت ملامح مألوفة بين طلبة المدارس والجامعات على حدٍّ سواء نلمسها نحن أساتذة الجامعات يوميا لدى بعض الطلبة.
ومما تقدم وبوصفي مختصا في علم القانون ومشخصا للأثر السلبي للأدمان الذي يعاني منه كثير من أفراد المجتمع لمنصات التواصل الاجتماعي، لابد أن نتسأل عن دور القانون في مواجهة هذا الخطر.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه بهذا الصدد:
هل يملك المشرع حق التدخل لتنظيم هذا الواقع؟ وهل يتحمل واجب حماية الشباب من هذا الخطر الناعم الذي يتسلل إلى عقولهم دون ضجيج؟
للإجابة على هذا التساؤل بشكل مفصل وافي سوف نورد التفصيل الأتي:
أولاً: الأساس القانوني لتدخل الدولة
انطلاقا من المفاهيم الدستورية الحديثة، فإن تنظيم الحريات ليس مساسا بجوهرها، بل هو ضمانة ضد انحرافها، ويستند تدخل الدولة في تنظيم الاستخدام الرقمي إلى ثلاثة أسس رئيسية:
1. حماية النظام العام والآداب بعدها من أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي.
2. صون الصحة النفسية والعقلية للمجتمع، لحمايته من الانحرافات النفسية ومن انتشار الاضطرابات المرتبطة بالضغط الرقمي والاجتماعي.
3. حماية الفئات غير القادرة على حماية نفسها، وفي مقدمتها القاصرون والشباب، عبر وضع تنظيم لأستخدام التكنولوجيا الرقمية.
وإذا كان التدخين وبيع الأدوية وبيع المشروبات الروحية وبث المحتوى الإعلامي ينظم لحماية المجتمع، فإن تنظيم الدخول الى الفضاء الرقمي يصبح ضرورة لا تقل أهمية، بل قد تكون أشد إلحاحا في زمن تتحول فيه الشاشة إلى معلم وموجه وسلطة موازية للأسرة والمدرسة.
ثانياً: المسؤولية القانونية للدولة تجاه المنصات الرقمية
الدولة ليست فقط صاحبة الحق في التدخل، بل يقع عليها واجب التدخل وإلزام الجهات المسؤولة عن أدارة منصات التواصل الاجتماعي بتدابير تحمي الفئات الاجتماعية الأكثر عرضة لمخاطرها الاجتماعية ومنهم الشباب والقاصرين، ومن هذه التدابير الحمائية والوقائية:
- التحقق من العمر الحقيقي للأشخاص الذين يرومون الانضمام لمواقع التواصل الاجتماعي ومنع وصول القاصرين إلى ميزات رقمية قد تسبب لهم الإدمان أو الاضطراب النفسي.
- تقنين وتنظيم أستخدام الخوارزميات التي تستهدف هذه الفئات بمحتوى سريع ومشتت.
- فرض الشفافية في طريقة عمل منصات التواصل الاجتماعي وآليات جمع البيانات الشخصية بكل تفاصيلها الشخصية والصحية والعائلية وبيانات الحسابات المالية.
- تحميل الشركات او الجهات التي تتولى أدارة منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية القانونية عن الأضرار المتوقعة علميا نتيجة عرض محتوى مضلل أو مؤذ للقاصرين.
وقد بدأت تشريعات عدة – كقانون الخدمات الرقمية الأوروبي وتشريعات بريطانيا وولاية كاليفورنيا الامريكية– باتخاذ خطوات واضحة للحد من هذا “الإدمان الرقمي”، ولذلك ندعو السلطات العراقية الى تبني ذات الخطوات التشريعية لحماية الفئات الاجتماعية الأكثر عرضة للمخاطر من أمكانية الوقوع في هاوية الأدمان الرقمي المضر بهم وبالأسرة والمجتمع عل حدا سواء.
ثالثاً: ضرورة وضع خطة وطنية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
الحماية القانونية لا تُبنى على النصوص وحدها، بل من خلال رسم خطة استراتيجية وطنية شاملة يمكن أن تتضمن على سبيل المثال ما يلي:
1. تحديد سن أدنى لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي او دخول الفضاء الرقمي، وضبط فترات الاستخدام للقاصرين.
2. برامج مدرسية وأسرية للتوعية بالمخاطر السلوكية للإدمان الرقمي من خلال أضافتها لبعض المناهج الدراسية، ألقاء محاضرات توعوية، عقد ندوات، توظيف المنابر الخطابية.
3. تشجيع المحتوى الآمن والمتزن بوصفه جزءًا من الأمن الفكري، ودعم البحوث العلمية لرصد الآثار النفسية والسلوكية لهذا الاستخدام المفرط.
رابعاً: التوازن بين حرية التعبير والحماية الواجبة
إن التدخل التشريعي ليس انتقاصا من حرية التعبير أو الوصول إلى المعرفة، بل هو إقامة لميزان العدل بين حرية المستخدم وحق الطفل في النمو السليم، بالإجراءات الحمائية هنا ليست قيدًا، بل وقاية… وليست رقابة، بل تنظيما يعيد الاعتبار للعقل الشاب والفتي الذي يتعرض يوميا لمستويات غير مسبوقة من التحفيز السلوكي.
خامساً: نحو تنظيم وطني للتسجيل في منصات التواصل عبر البطاقة الموحدة
بالنظر إلى استفحال ظاهرة التحايل على شروط الانضمام من قبل كثير من الشباب والمراهقين، بات من الضروري اعتماد آلية وطنية صارمة تلزم منصات التواصل الاجتماعي بربط عملية التسجيل بالبطاقة الوطنية الموحدة.
فالتحقق التقليدي المعتمد على إدخال تاريخ الميلاد لم يعد ذا جدوى، إذ يستطيع أي قاصر تجاوزه بسهولة، من خلال تسجيل معلومات غير حقيقية لتواريخ الميلاد التي يطلبها تسجيل الفرد على منصات التواصل دون تدقيق حقيقي لتلك المعلومات.
ويحقق هذا الإجراء جملة من الفوائد القانونية والاجتماعية، منها:
- ضمان التحقق الفعلي من العمر الحقيقي للفرد طالب التسجيل على مواقع السوشيل ميديا، وبالتالي منع فتح حسابات مخالفة للسن الأدنى المطلوب للدخول على تلك الشبكات في الفضاء الرقمي
- إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تسهم في تطوير سياسات الحماية الرقمية التي تتعلق بالبيانات الشخصية لكل من يرتاد منصات التواصل الاجتماعي، ومنع تسجيل بيانات غير حقيقية لأشخاص منتحلين لصفات غير حقيقية، أو لجهات تقوم ببث معلومات مضللة.
- تعزيز المسؤولية القانونية للجهات التي تتولى أدارة الشبكات الرقمية تجاه المستخدمين داخل الدولة، أو خارجها وألزمهم بتعويض من يتعرض للضرر نتيجة الاستخدام غير الأمثل لتلك الشبكات.
إن اعتماد البطاقة الموحدة في العراق لا يعني تقييد الحرية الرقمية، بل تنظيمها بما يحول دون تعرض القاصرين لهدر نفسي وسلوكي لا يدركون مخاطره بعد.
وختاما إن “الكوكايين السلوكي” ليس مجرد مصطلح توصيفي مجازي فحسب، بل حقيقة اجتماعية وقانونية ينبغي الاعتراف بها بجرأة. فالشباب اليوم يواجهون خطرًا لا يُرى بالعين، لكنه يهدر قدراتهم الإدراكية، والصحية والذهنية، والنفسية، ويستنزف طاقاتهم الدراسية، ويُضعف ارتباطهم بالواقع.
وعليه، فإن مسؤولية الدولة – تشريعا وتنفيذا وتربية – تفرض التحرك العاجل لتنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي للفئات دون سن 16 أو 17 عاما كحد أدنى، وربط التسجيل بالبطاقة الموحدة بوصفه إحدى أهم أدوات الحماية.
فحماية الشباب ليست خيارًا ثانويًا، بل واجب وطني وركن أساسي من أركان الأمن الاجتماعي والفكري، فهم الركن الركين لبناء المجتمع ونهضة البلاد.
أن المجتمعات التي تعي وتدرك مبكرا هذا الخطر وتواجهه بسياسات تشريعية وتنفيذية وتوعوية جادة ستكون الأقدر على صناعة جيل متوازن، واعٍ، غير مستسلم لهيمنة وسياسات الجهات الراعية للفضاء الرقمي.



