نفحات ايمانية

نفحات ايمانية

العلم هو الاستثمار الذي لا ينقطع ربحه. فإذا وجد المسلم نفسه مقبلاً على تعلم أحكام الشرع والتفقه فيه، وتعلم الحلال والحرام، فأن الله أراد به خيراً عظيماً.

بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق/ أستاذ الفقه المقارن - كلية القانون - فرع القانون الخاص

من هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) .. (الفقيه .. من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى)

 قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) : ( يا عبد الله ؟ قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : أتدري أيُّ الناس أفضل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ؟ قال : فإن أفضلَ الناس أفضلُهم عملاً إذا فقُهوا في دينهم .. ثم قال : أتدري أيُّ الناس أعلم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : أعلمُ الناس أبصرُهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل ..) ..

 وعن سيدنا علي (رضي الله عنه) قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( ألا أنبئُكم بالفقيه كلَّ الفقيه ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : من لم يقنّطْ الناس من رحمة الله ، ولم يُؤَيسْهم من روح الله ، ولم يُؤمنْهم من مكر الله ، ولا يدعُ القرآن رغبة عنه إلى ما سواه ، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ، ولا في علم ليس فيه فهم ، ولا في قراءة ليس فيها تدبر ) ..

ينظر : صحيح جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 261 ..

 (أي أدب هذا ؟  .. نعم الشيخ ونعم الطالب)

ذكر ابن عبد البر (رحمه الله) : أن الإمام الشافعي (رحمه الله) طلب من الإمام محمد بن الحسن (رحمه الله) كتبه فمنعها منه فكتب الإمام الشافعي يترقى بالأدب مع شيخه قائلاً :

قُلْ لِمَنْ لَمْ تَرَ .. عَيْنُ مَنْ رَآهُ مِثْلَهُ ...... وَمَنْ كَانَ مَنْ رَآهُ .. قَدْ رَأَى مَنْ قَبْلَهُ

الْعِلْمُ يَأْبَى أَهْلُهُ .. أَنْ يَمْنَعُوهُ أَهْلَهُ ....... لَعَلَّهُ يَبْذُلُهُ .. لِأَهْلِهِ لَعَلَّهُ .

فلما بلغ ذلك الإمام محمد وجه له بكل كتبه فكتبها الإمام الشافعي وكان يقول : سمعت من الامام محمد بن الحسن (رحمه الله) وقر بعير .. (لله درّهم) (رحمهم الله جميعا) ..

أولئك آبائي فجئني بمثلهم .. إذا جمعتنا يا جرير المجامع .

ينظر : جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص 119

 (من مناقب السلف الصالح (أئمة المذاهب الفقهية (رضي الله عنهم))

يقول الإمام أحمد (رحمه الله ) سمعنا من طُرُق : أن الله تعالى يُقيِّض للناس في كلّ مائةٍ من يعلّمهم السُننَ ويَنفي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الكذب ، قال فنَظَرْنا فإذا في رأس المئة الأولى عمرُ بن عبد العزيز (رضي الله عنه) ، وفي رأس المئتين الشافعيُ (رحمه الله) .. ويقول الإمام أحمد (رحمه الله) أيضاً : ستةٌ أدعو لهم سحراً أحدهم الشافعي (رحمه الله) ..

ويقول عبد الرحمن بن مهدي : ما أصلي صلاةً إلا وأدعو فيها للشافعي (رحمه الله) وعن الربيع بن سليمان يقول : سمعت الشافعي (رحمه الله)  : يقول ما شبعتُ منذُ ستّ عشرة سنة إلا مرة فأدخلتُ يدي فتَقيأتُها .. وما حلفتُ بالله صادقاً ولا كاذباً .. (رحمه الله تعالى) .

يُنظر : سير اعلام النبلاء 10 / 36 و 45 و 46 ..

 (ما من فقيهٍ شافعيٍ إلا وللشافعي له عليه منّةٌ ، إلا أبا بكر البيهقي)

يقول الفقيه الشافعي المروزي (رحمه الله) : رأيت في المنام كأن تابوتاً علا في السماء يعلوه نورٌ فقلتُ من هذا ؟ قال : هذه تصانيف الإمام البيهقي (رحمه الله) .. قال الإمام الذهبي معلقاً : وهذه الرؤيا حقٌ فتصانيف البيهقي عظيمةُ القدر غزيرةُ الفوائد قلَّ من جوَّد تواليفه مثل الإمام البيهقي .. فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء .. وجُلبتْ الى العراق والشام واعتنى بها أصحابُ الشافعي (رحمه الله) غاية العناية ..

يقول إمام الحرمين الجويني (رحمه الله) : ما من فقيهٍ شافعيٍ إلا وللشافعي له عليه منّةٌ ، إلا أبا بكر البيهقي فإنّ المنّةَ له على الشافعي لكثرة تصانيفه في نصرة مذهبه (رضي الله عنه) .. ثم يقول الجويني : ولو شاء أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه لكان قادرا على ذلك لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف .. (رحمهم الله أجمعين) .

ينظر : سير اعلام النبلاء 18 / 168 ..

 

(ليظنَّ العبدُ بالله خيراً ..)

يقول رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) : ( قال الله عز وجل : أنا عند حسن ظن عبدي بي ، فليظُنَّ ظانٌّ ما شاء ) .. وقد أوحى الله تعالى إلى سيدنا داود (عليه السلام) : يا داود حببني إلى خلقي، قال : يا رب كيف أحببك إلى خلقك؟ قال : أذكرني بالحسن الجميل وذكرهم بآلائي وإحساني ..

ويقول الإمام مجاهد (رحمه الله) : يُؤمَر بالعبد يوم القيامة إلى النار .. فيقول : يا ربِّ ما كان هذا ظني في جلالك ! فيقول الله عز وجل : ( وما ظنُّك بي ) ؟ قال : إن ظني بك أن تغفر لي ، فيقول الحق عز وجل : خلوا سبيله إلى الجنة ..

ويقول سيدنا معروف الكرخي (رحمه الله) : رجاؤك لرحمة من لا تُطيعُه حمقٌ وخذلان ..

ورحم الله القائل :

أَغيبُ وذو اللطائفِ لا يَغيبُ ..      وأرجوه رجاءً لا يَخيبُ

وأسألُه السلامةَ من زمانٍ ..            بُليتُ به نوائبُه تُشيبُ

فكم لله من لطفٍ خفيٍ ..            طوتْهُ عن المشاهدة الغيوبُ

وكم لله من تيسيرِ عُسرٍ ..            ومن تفريجِ نائبةٍ تنوبُ

وما لي غيرُ باب الله بابٌ ..        ولا مولىً سواهُ ولا حبيبُ

فظنِّي فيك يا سندي جميلٌ ..    ومرعى ذَودِ آمالي خصيبُ

هو الرحمن حولي واعتصامي ..  به وإليه مبتهلاً أُنيبُ .

ينظر : مختصر منهاج القاصدين ص 302 ..