نفحات ايمانية
الخيرُ في دفع الشر، والإحسانُ في دفع الإساءة، والحسنة في دفع السيئة هي خصالُ تفوق الأخلاق على الغرائز، وإطفاء الحقد بالعفو، وبها عمران النفوس والمجتمعات....
بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق/ استاذ الفقه المقارن-فرع القانون الخاص
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (6) ..
قوله تعالى : ((وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)) ..
يقول الامام الرازي (رحمه الله) : وفيها وجهان : الأول : أنهم إذا أَتوا بمعصية درؤوها بالتوبة .. يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ بن جبل (رضي الله عنه) : (إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها) ..
الثاني : أنهم لا يقابلون الشر إلا بالخير .. يقول ابن عمر (رضي الله عنه) : ليس الواصل من إذا وُصل وَصل فتلك المجازاة ، لكن المواصل من إذا قُطع وَصل وعَطف على من لم يَصله .. ، وليس الحليم من ظُلم ثم حَلم لكن الحليم من إذا قَدر عَفا .. ويقول الحسن البصري (رضي الله عنه) : هم الذين إذا حُرموا أَعطَو وإذا ظُلموا عَفَوا ..
يروى أن شقيق البلخي دخل متنكرا على عبد الله ابن المبارك (رحمهما الله) .. فقال من أين أنت ؟ فقال من بلخ .. قال وهل تعرف شقيقاً ؟ قال نعم .. قال وكيف طريقة أصحابه ؟ .. قال شقيق : إذا مُنعوا صَبروا وإذا أُعطوا شَكروا .. فقال ابن المبارك : طريقة غلماننا هذه .. !! فقال شقيق وكيف ينبغي أن تكون ؟ قال ابن المبارك : الكاملون إذا مُنعوا شَكروا .. وإذا أُعطوا آثروا ..
وليُعلم أن جملة القيود في قوله تعالى ((الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ)) الى قوله ((وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)) هي شروط لتحقق أنواع من الجزاء وهي :
ا?ول : قوله تعالى ((أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)) وعاقبة الدار هي الجنة .. والمعنى : أولئك تَعقُب أعمالهم الدار التي هي الجنة ..
الثاني : قوله ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)) وهذه الجنات بينها تعالى بقوله (( ومساكن طيبة في جنات عدن ))
الثالث : ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)) .. يقول ابن عباس (رضي الله عنهما) : والمقصود به من صدَّق بما صدَّقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة .. وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي با?عمال الصالحة .. ولأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا وبهجة ..
فإذا بُشِّرَ المسلمُ بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سروره بذلك وتقوى بهجته به .. ويقال : إن من موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا فيشكرون الله تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة .. جمعنا الله تعالى ومن نحب في الفردوس الأعلى ..
الرابع : قوله تعالى ((وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ)) يقول ابو بكر الأصم (رحمه الله) : كل نوع من البر له باب خاص به تدخل منه الملائكة ..
الخامس : ((وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ # سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ )) .. يقول ابن عباس (رضي الله عنهما) : لهم خيمة من درّة مجوَّفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب ، مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب يقولون ((سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ)) على أمر الله تعالى .. وتلك مرتبة عظيمة لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون الجنة ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه ..
السادس : ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله ((فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) .. جعلنا الله وآبائنا وأمهاتنا ممن يُبشر بقوله ((فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) .
السابع : ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) في معرض المدح .. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (من كظم غيضاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من أيّ الحور شاء) .. وقال (صلى الله عليه وسلم) لأشج بن قيس : (إن فيك خلقين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة) .. ولقي رجل علي بن الحسين (رضي الله عنهما) فسبّه ، فثار العبيد لضربه ، فقال علي : مهلاً .. فقال للرجل : ما سُتر عنك من أمرنا أكثر .. ألك حاجة نعينك عليها ؟ ثم أمر له بألف درهم .. فأخذ الرجل يقول أشهد أنها أخلاق بيت النبوة .
ينظر : تفسير الرازي 19 / 41 - 42 .
ينظر : مختصر منهاج القاصدين 187 - 188 ..



