نفحات ايمانية
العزلة سلاح ذو حدين: فهي إما مساحة للنجاة، أو سجن للنفس...
في فضل العزلة وآفاتها في الشريعة الغراء. بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق/ أستاذ الفقه المقارن - فرع القانون الخاص...
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (8) ..
(العزلة : فضلها وآفاتها)
عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قيل يا رسول الله : أيّ الناس خيرٌ ؟ قال : (رجل يجاهد بنفسه وماله ، ورجل في شعب الجبال يعبد ربَه ويدع الناسَ من شره) ..
وعن عقبة بن عامر (رضي الله عنه) قلت : يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : ( أَملكْ عليك لسانَك ، وليسعُك بيتُك ، وابكِ على خطيئتك ) ..
ويقول سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) : لوددتُ أن بيني وبين الناس بابا من حديد لا يكلمُني أحد ولا أكلم أحدا حتى ألقى الله تعالى ..
وقال أبو الدرداء (رضي الله عنه) : نعم صومعةُ المسلم بيتُه .. يكفُّ لسانَه وبصرَه ، وإياكم ومجالسَ الأسواق فإنها تلهي وتلغي ..
ويقول أبو المهلهل (رحمه الله) : أخذ بيدي سفيان الثوري (رحمه الله) وأخرَجَني إلى المقبرة فاعتزلْنا ناحيةً منها فأخذ يبكي ثم قال لي : يا أبا المهلهل إن استطعتَ ألا تخالطَ أحداً فافعلْ ..
(ومن فوائد العزلة )
الأولى : الفراغ لطاعة الله تعالى والاستئناس بمناجاته .. فمن يسر الله تعالى له دوام الأنس بالله ودوام معرفة الله كان أفضل له من المخالطة .. يقول أويس القرني (رضي الله عنه) : ما كنتُ أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره ..
الثانية : الابتعاد عن المعاصي التي تحصل بالمخالطة ومنها : الغيبة .. ومشاهدة للمنكرات .. الرياء ( الدواء العضال) .. وغيرها من المنهيات ..
الثالثة : مسارقة الطباع الرديئة وهو داء دفين قلما يتنبه له العقلاء فضلا عن الغافلين ..
الرابعة : الخلاص من الخصومات والفتن وصيانة الدين عن الخوض فيها .. فقلما تخلو بلاد عن الخصومات والمعتزل عنها سليم ..
الخامسة : الخلاص من شر الناس .. والمخالط لا ينفك من عدو أو حاسد .. وفي العزلة خلاص من ذلك .. يقول سيدنا عمر (رضي الله عنه) : في العزلة راحة من خلطاء السوء ..
السادسة : بالعزلة ينقطع طمعك عن الناس .. فمن نظر الى زهرة ما في أيدي اهل الدنيا طمع فيها .. وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : (انظروا إلى من دونكم ، ولا تنظروا إلى من فوقكم ، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) ثم إنه (صلى الله عليه وسلم) ذكر الفتن ووصفها فقال ابن عمر (رضي الله عنه) : ما تأمرني يا رسول الله ؟ فقال (صلى الله عليه وسلم) : (إلزم بيتك، وأملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر ، وعليك بأمر الخاصة ، ودع أمر العامة) ..
(أما فوائد المخالطة وآفات العزلة ) ..
وليُعلم أن بعض المقاصد الدينية والدنيوية لا تتحقق إلا بالاستعانة بالغير، وقد ذكر العلماء للمخالطة فوائد منها :
الأولى : التعلم والتعليم : يقول الربيع بن خيثم (رحمه الله) : تفقهْ ثم اعتزلْ والعلم أصل الدين ولا خير في
عزلة العوام .. وسُئِلَ بعضُهم عن عزلة العوام فقال : خيالٌ ووبال ..
الثانية : النفع والانتفاع : فينفعُ الناسَ برأيه وماله وبدنه في قضاء حوائجهم بحدود الشرع .. وكذا الانتفاع بالمكاسب والمعاملة .. وينوي التصدقَ والنفعَ بكسبه ((وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)) ..
الثالثة : التأدب والتأديب : وذلك بتحمل مقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم .. قيل لراهب يا راهب .. فقال : لست براهب إنما أنا كلبٌ عقور حبستُ نفسي حتى لا أعقرَ الناسَ ..
وليعلم : أن النفس فيها شهوات .. إن لم تُكسَر جَمَحَتْ براكبها في الطريق .. فبالمخالطة قهرٌ للشهوة وكسرٌ للنفس لمن أراد أن يجعلَ من بدنه مطيةً يَسلكُ بها طريق العارفين ..
الرابعة : الاستئناس والإيناس : فالاستئناس بأهل التقوى بترويح القلب من كُرب الوحدة .. وينبغي الاستئناس بعض الساعات بما لا يُفسد بقيتَها ..
الخامسة : التواضع للناس .. فقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة .. وربما تترفع نفسُه عن المخالطة لارتفاع محله .. خشية ألا يُقدَّم في محفل من المحافل .. ونفسه تتشوف لذلك ..
السادسة : المخالطة وسيلةٌ لنيل الثواب وإنالتِه .. كعيادة المريض وتشييع الجنائز وإجابة الدعوة وغيرها مما يُدخل السرور على أخيه المسلم ..
إذا عرِفتَ فوائد العزلة وتطلعتَ آفاتها : تحقق عندك أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأٌ بيّنٌ .. بل ينبغي أن ينظر كلُّ شخص لحاله .. من يخالط ! .. والباعث للمخالطة ! .. وآثارها سلبا وإيجابا ! .. وعند ذلك يتبين الحق ويتحقق الأفضل .. يقول الإمام الشافعي (رضي الله عنه) : الإنقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والأنبساط إليهم مجلبة للسوء .. فكن بين القبض والإنبساط .
ينظر : مختصر منهاج القاصدين 105 - 119 . .



