مقالة علمية
نفخات رمضانية (4)
بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق - كلية القانون- فرع القانون الخاص
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ{ }
((كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ))
يقول الله تعالى : ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء)) ..
يقول الامام الرازي (رحمه الله) : إن الله تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربع ثم شبه الكلمة بها :
الصفة ا?ولى لتلك الشجرة : (( كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ )) وينتظم تحتها معان متعددة :
? . كونها طيبة المنظر والصورة والشكل .. ? . كونها طيبة الرائحة .. ? . طيبة الثمر المتولد عنها فهي لذيذة مستطابة .. ? . كونها طيبة المنفعة فكما يَستلذّ بأكلها يَعظُم الانتفاع بها .
إذا عُرف هذا فنقول : إن محبة الله تعالى والاستغراق في طاعته ومعرفته تشبه هذه الشجرة في تلك الصفات الأربع : فالصفة الأولى : كونها طيبة .. فلا طيب ولا لذة في الحقيقة إلا هذه المعرفة .. لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة مثلا لملائمتها ومناسبتها مزاج البدن .. اما معرفة الله تعالى بطاعته ومحبته والابتهاج به فهي تلائم النفس والروح الطاهرة الزكية .. فكلما كانت تلك النفس قريبة من ربها بكثرة الطاعات كلما كانت طيبة أكثر ولا تظهر إلا أثرا طيبا .. ولذا قال ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ)) ..
الصفة الثانية لهذه الشجرة : ((أَصْلُهَا ثَابِتٌ)) أي راسخ باق آمن من الانقلاع والانقطاع والزوال ، لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الإنقراض والانقضاء فإنه وإن حصل الفرح بوجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه .. أما إذا عُلم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به .. فتلك الشجرة التي هي (معرفة الله تعالى) كلما كانت راسخة ثابتة الأصل في قلب العبد كلما كان أقوى وأكمل .. وكلما كانت جذور تلك الشجرة راسخة في النفس الزكية كلما كانت مجردة عن الفساد بعيدة عن التغير والفناء .. فإن استعداد النفس الطاهرة ليكون كذلك وليتمتع بلذة وحلاوة تلك الشجرة الطيبة التي وصفها القرآن الكريم بقوله ((أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء)) ..
الصفة الثالثة لهذه الشجرة : ((وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء)) .. وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين :
الأول : إن ارتفاع أغصانها وقوتها صعودا يدل على ثبات أصلها وجذورها .. الثاني : أنها إذا كانت مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض فأصبحت طاهرة نقية من جميع الشوائب .. وتلك هي شجرة (معرفة الله تعالى) فكما أن ((أَصْلُهَا ثَابِتٌ)) فإن ((فَرْعُهَا فِي السَّمَاء)) ..
ولها أغصان كثيرة ومتعددة : منها أغصان صاعدة في العالم القدسي : وهي أقسام كثيرة يجمعها قوله (صلى الله عليه وسلم) : ( التعظيم أمر الله .. ) ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم الأرواح والأجسام ، ومحبة الله تعالى والشوق إليه .. والمواظبة على ذكر الله والإعتماد عليه بالكلية .. والإنقطاع عما سوى الله .. وتلك أحوال غير متناهية والسعيد من اجتهد في طلبها ..
ومنها أغصان صاعدة في العالم الجسماني : وهي أقسام كثيرة أيضا ويجمعها قوله (صلى الله عليه وسلم) : ( .. والشفقة على خلق الله ) ، ويدخل فيه الرحمة والرأفة على الخلق .. والصفح والتجاوز عن ذنوبهم .. والسعي في إيصال الخير إليهم ودفع الشر عنهم .. ومقابلة ا?ساءة بالإحسان .. وهذه الأقسام غير متناهية أيضا .. فهذه بعض فروع شجرة (معرفة الله تعالى) وهي باب واسع والإنسان كلما كان أكثر توغلا في معرفة الله تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل .. نسال الله تعالى أن يرزقنا جميعا حلاوة تلك الشجرة الطيبة ..
الصفة الرابعة لتلك الشجرة : كما وصف الباري عز وجل ((تُؤتي أُكُلَها كل حينٍ)) : فإن ثمرتها لا بد وأن تكون حاضرة دائمة في كلاوقات .. فتلك هي (شجرة المعرفة ) والرغبة في تحصيلها يجب أن تكون عظيمة .. والعاقل متى أمكنه من تحصيلها وتملكها فإنه لا يجوز له أن يتغافل عنها ويتساهل في الفوز بها .. وإن لهذه الشجرة آثارا وأحوالا تؤثر في حال من رسخت في قلبه ..
فأثر رسوخ (شجرة المعرفة) في أرض القلب أن يكون نظرُه بالعبرة قال تعالى : ((فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)) ، وأن يكون سماعُه بالحكمة قال تعالى : ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)) ونطقُه بالصدق والصواب قال تعالى : ((كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ)) ..
فـ(معرفة الله تعالى) والإستغراق في محبته وطاعته تشبه هذه الشجرة في صفاتها ا?ربع .. فكلما كان رسوخ (شجرة المعرفة) في أرض قلبه أقوى وأكمل كان ظهور تلك ا?ثار عنده أكثر .. ولربما توغل في هذا الباب وعظم ترقيه فيه فيصير بحيث لا يرى شيئا إلا وقد رأى أثر صنع الله تعالى وقوته فيه .. وهذا بعض مراد قوله تعالى : (( تُؤتي أُكُلَها كل حينٍ بإذن ربها )) .
وإنما مَثَّل الله تعالى ا?يمان بالشجرة ?ن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء : عرق راسخ ، وأصل قائم ، وأغصان عالية .. فكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء : معرفة في القلب ، وقول باللسان ، وعمل با?بدان ..
ثم إن هذه الشجرة الموصوفة بالصفات ا?ربع شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ..
ثم قال تعالى : ((وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) .. ففي ضرب ا?مثال زيادة للأفهام وتذكير وتصوير للمعاني .. لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم ، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب .. وهذا بعض مراد قول الله تعالى : ((تُؤتي أُكُلَها كل حينٍ بإذن ربها )) .
ينظر : تفسير الرازي19 /102ـــــ 105



