نفحات ايمانية
تُعد حقوق المسلمين على بعضهم من أسمى المزايا الاجتماعية التي أرساها الدين الحنيف، فهي سمات اجتماعية لا مجرد مجاملات، بوصفها التزامات شرعية تسهم في بناء مجتمع موحد يسوده التآخي والأمان...
بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق أستاذ الفقه المقارن في فرع القانون الخاص / كلية القانون
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (7) ..
(حق المسلم على المسلم .. )
الأول : القيام بقضاء حوائجه من غير سؤال وتقديمه على حوائج نفسه .. قال الله تعالى : ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) .. وكان بعض السلف (رحمهم الله) يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة يقضي حوائجهم ..
الثاني : السكوت عن ذكر عيوبه وغيبته .. إلا إذا وجب الأمر بمعروف أو نهي عن منكر فتهدي إليه النصح برفق .. وتجنب كثرة جدله ومماراته .. يقول ابن المبارك (رضي الله عنه) : المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات .. وما أجمل ستر العيوب والتغافل عنها فإنها سمة أهل الدين ..
يقول الفضيل بن عياض (رضي الله عنه) : الفتوة : الصفح عن زلات الأخوان .. وليُعلم : أنه لا يكمل إيمان العبد حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه .. وأقل درجات الأخوة أن تعامل أخاك بما تُحب أن يعاملك ..
الحق الثالث : من حق أخيك عليك أن تنطق معه بما يحب .. وتتودد إليه بصدق قلب وحلو اللسان وتتفقد أحواله .. وتسأله عما عرض له وتبدي له السرور بما يسر به .. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه ) .. ويقول سيدنا عمر (رضي الله عنه) : ثلاث يُصفينَ لك ودَّ أخيك : تسلم عليه إذا لقيته ، وتوسّع له في المجلس ، وتدعوه بأحب أسمائه إليه .. وفي الصحيح (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) ..
الحق الرابع : الدعاء لأخيك في حياته وبعد موته بما تدعو به لنفسك .. يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( دعوة المسلم لأخيه بظهر القلب مستجابة .. ) ويوكّل الله تعالى به ملكا يقول له ( آمين .. ولك بمثل ) .. وكان أبو الدرداء (رضي الله عنه) : يدعو لخلق كثير يسميهم بأسمائهم .. وكان الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) يدعو في السحر لستة نفر من أخص أصحابه ..
الحق الخامس : الوفاء والإخلاص له .. ومعنى الوفاء : الثبات على مودته الى الموت .. وبَعدَه بمواصلة أولاده وأهل وده .. فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصل عجوزا وهو يقول : (كانت تغشانا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الايمان ) ..
ومن الوفاء له : الا يتغير على أخيه في تواضعه وتواصله معه وان ارتفع شأنه وعلا منصبه وعظم شانه .. ومن الوفاء له : أن تكون أذنه صماء عن وشاية الناس على أخيه ..
الحق السادس : التخفيف عليه وترك التكليف الذي لا يطيقه .. فلا يكلف أخاه ما يشق عليه .. بل يُرَوح سرَّه من مهماته وحاجاته .. وألا يستغل جاهه وماله بل يكون قصده بمحبته الله تعالى وحده .. والاستئناس بلقائه والتقرب الى الله تعالى بالقيام بحقوقه .. ومن تمام هذا الأمر أن ترى الفضل لإخوانك عليك ولا تذكر فضلك عليهم ..
يقول بعض الحكماء : من سقطت كلفتُه دامت ألفتُه .. ويقول جعفر بن محمد (رحمه الله) : أثقل أخواني عليَّ من يتكلف لي وأتحفظ منه ، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ..
ينظر : مختصر منهاج القاصدين 104 /107
-------------------------------------------
- لطيفة -
كيف عرف النبي (صلى الله عليه وسلم) الإمامَ الشافعي (رحمه الله تعالى) ؟
يقول الأصبهاني (رحمه الله) : رأيتُ النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) في المنام فقلتُ يا رسول الله : محمد بن إدريس الشافعي (رضي الله عنه) ابنُ عمك هل خصصتَه بشيء ؟ قال : نعم سألتُ ربي عز وجل ألا يحاسبَه .. قلتُ بماذا يا رسول الله ؟ فقال : إنه كان يصلي عليَّ صلاةً لم يصلِ عليَّ مثلُه .. قلتُ : وما تلك الصلاة يا رسول الله ؟ فقال : كان يقول : اللهم صلِّ على محمد كلّما ذكرك الذاكرون وصلِّ على محمد وعلى آل محمد كلما غفل عن ذكره الغافلون .



