نفحات ايمانية

نفحات ايمانية

الصلة وإدامة الروابط والوفاء بالمواثيق من أرقى القيم الإنسانية تؤسس عليها الأسر السليمة وتُبنى عليها المجتمعات الآمنة...

بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق أستاذ الفقه المقارن في فرع القانون الخاص

 

(5)-{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ }

((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يوصل))

يقول الله تعالى : ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يوصل)) ..

يقول الإمام الرازي (رحمه الله) ذكر  أهل العلم في هذه الآية وجوها :

1 . المراد : صلة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومؤازرته ونصرة دينه .

2 . المراد : صلة الرحم .. قال (صلى الله عليه وسلم) : (ثلاث يأتين يوم القيامة تحاجُّ صاحبَها : الرحمُ تقول : أي ربِّ قد قُطعتُ ، والأمانة تقول : أي ربِّ قد تُركتُ ، والنعمة تقول : أي ربِّ قد كُفرتُ) .  

3 . المراد : رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد .. فيدخل فيه صلة الرحم .. وصلة الأخوة بسبب الإيمان قال تعالى ((إنما المؤمنون أخوة)) ويدخل فيها إمدادهم بإيصال الخيرات ودفع المضرات بقدر الإمكان .. وعيادة المريض .. وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم .. وكف الأذى عنهم .. وغيرها من وجوه الصلة .

يُروى : أن الفضيل بن عياض (رحمه الله) دخل عليه جماعة وهو في مكة .. فسألهم من أين القوم ؟ قالوا من خراسان .. فقال الفضيل : إتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين .. وحاصل ذلك : أن في قوله تعالى ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)) إشارةً إلى الشفقة على خلق الله ..

والمراد بعهد الله في قوله تعالى ((الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ)) أقوال :

أحدها : أن المراد (بعهد الله) العبودية لله وحده .. و(الميثاق) المواثيق المذكورة في سائر الكتب الإلهية من وجوب الإيمان بنبوة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ..

ثانيها : المراد (بعهد الله) تعالى كل أمر قام الدليل على صحته .. وتشمل : الأدلة السمعية (القرآن الكريم والسنة النبوية) الدالة على الاحكام الشرعية .. و كذلك الأدلة العقلية على خلق الله تعالى ودلائل قدرته .. ولا يزيغ عنها إلا هالك ..

ثالثها : قال ابن عباس (رضي الله عنه) : المراد ((بِعَهْدِ اللّهِ)) الأمر الذي عاهدهم الله عليه وهم في صلب

آدم وأشهدهم على أنفسهم ((ألستُ بربكم))، ولأن الوفاء بالعهد لا يتم على الوجه الأكمل ألا إذا انتهى عن نقضه لذا أتبعه الله تعالى بقوله ((وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ)) ..

فقوله تعالى ((الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ)) إشارة إلى كل ما كلف الله العبد به ابتداءً .. وقوله تعالى ((وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ)) إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات .. وليُعلم أن الوفاء بالعهد من أجل مراتب السعادة الدينية والدنيوية ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ) ..

وأما معنى قوله تعالى ((وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ)) : أن العبد وإن أتى بكل ما قدر عليه من تعظيم أمر الله والشفقة على خلقه، إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله تعالى والخوف منه مستوليا على قلبه وهذه الخشية نوعان :

أحدهما : أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته فيحافظ عليها من نقصان ثوابها الثاني : وهو خوف الجلال .. بألا يزول عن قلبه الخوف من الله .. وأن يستولي حب الله تعالى على قلبه .. وذلك من مهابة وجلال ورفعة وعظمة الله تعالى ..

وفي قوله تعالى ((وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ)) .. يقول الإمام الرازي (رحمه الله) : إن الإنسان قد يقدم على الصبر لأسباب منها :

1 . لئلا يُعاب بسبب الجزع ، ولئلا تحصل شماتة ا?عداء ..

2 . أو ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل الشدائد ..

3 . او لعلمه بأنه لا فائدة من الجزع .. وهي المرتبة الأولى : والإنسان اذا صبر لواحد من هذه الأسباب لم يكن داخلا في كمال النفس وسعادة القلب ..

المرتبة الثانية : ويدخل في ذلك الصبر على فعل العبادات .. وثقل الأمراض والمضار .. ووجع الغم والأحزان. وكذلك الصبر على ترك الخطايا والموبقات وهذه مرتبة أعلى من سابقتها .

المرتبة الثالثة : أن يصبر المرء على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها الملك العلام .. وأن يعلم يقينا أن هذا البلاء يشتمل على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ..  ثم لا بد أن يكون راضيا بذلك لأنه تصرف للمالك بملكه فلا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه ما يشاء ..

وههنا دقيقة : وهي أن العاشق إذا ضربه معشوقُه فربما نظر العاشق لذلك الضارب وهو فَرِح بذلك .. ولله تعالى المثل الأعلى فكذلك على العبد العارف بالله المحب له تعالى أن يصبر على البلاء والمحنة ويكون تامَّ الرضا بذلك .. وذلك لأنه صار مستغرقا في مشاهدة المُبلِي فكان استغراقُه في تجلِّي نور الحق عز وجل أذهله عن التألم بالبلاء وذلك لاستغراقه في معرفة نور الحق عز وجل طلبا لثوابه ولنوال مرضاته .. وهذا الوجه من الصبر هو الذي يصدق عليه قوله تعالى ((وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ)) وهذا أعلى مقام الصديقين .

ومن المعاني الدقيقة في هذه الآية : أن يصبر المرء على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها الملك العلام .. وأن هذا البلاء يشتمل على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ..  ثم يكون راضيا بذلك لأنه تصرف للمالك بملكه فلا اعتراض على المالك ..

وههنا دقيقة أخرى : وهي أن العاشق إذا ضربه معشوقه فربما نظر العاشق لذلك الضارب وهو فرح بذلك .. ولله تعالى المثل الأعلى .. فعلى العبد العارف بالله المحب له تعالى أن يصبر على المحنة والبلاء ويكون تام الرضا بذلك لأنه صار مستغرقا في حب المُبلِي ..

ومن أروع ما قيل في هذا الباب قول أبي تراب (رحمه الله) وهو أحد أرباب السلوك :

لا تُخدَعنَّ فللمحبِّ دلائلُ .. ولديه من تُحفِ الحبيب وسائلُ

منها تنعمُهُ بمرِّ بلائِه ..... وسرورُه حَقاً بما هو فاعلُ

فالمنعُ منه عطيةٌ مقبولةٌ .. والفقرِ إكرامٌ وبِرٌ عاجلُ

ومن اللطائف أن يُرى من عزمه .. طوعُ الحبيب وإنْ أَلَحَّ العاذلُ

ومن الدلائل أن يُرى متبسماً .. والقلبُ فيهِ من الحبيب بَلابلُ

ومن الدلائل أن يُرى مُتفهماً .. لكلام من يَحظى لديه السائلُ

ومن الدلائل أن يُرى مُتقشفاً .. مُتَحفظاً من كل ما هو قائل

.. وتلك هي أعلى مقام الصديقين .. .. نسأل الله الإعانة على البلاء والرضا بالقضاء ..

ينظر : تفسير الرازي 19 / 38 - 40 .. منازل الحور العين ص 37