نفحات ايمانية

نفحات ايمانية

إن الإشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاحَ أبواب الخيرات في الدنيا والآخرة ، وأما الإعراض عن معرفة الحق تعالى يوجب انفتاحَ أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة...

بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق /أستاذ الفقه المقارن-فرع القانون الخاص

{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (9) ..

(الآية الجامعة لكل ما ورد به التكليف)

قوله تعالى ((قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ)) ..

يقول الامام الرازي (رحمه الله) : وهذه الآية جامعة لكل ما ورد به التكليف وفيها فوائد :

1 . قوله : ((قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ)) تفيد الحصر أي : ما أُمرتُ إلا بعبادة الله ، فدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي ألا بذلك ..

2 . إن العبادة غاية التعظيم وأن العبد مكلف بذلك وأن عبادة الله واجبة على كل مكلف ..

3 . إن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته ، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل ، فدلَّ على أن العبد مكلف وجوباً بالنظر والاستدلال في معرفة الله تعالى ..

4 . قوله تعالى : ((وَلا أُشْرِكَ بِهِ)) يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية ، وأنه لا معبود بحق إلا الله عز وجل .

5 . قوله تعالى : ((إِلَيْهِ أَدْعُو)) دلَّ على أنه كما يجب الإتيان بهذه العبادات ، فكذا يجب الدعوة إلى عبوديته تعالى

6 . قوله تعالى : ((وَإِلَيْهِ مَآبِ)) إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة .. فإذا تأمل الإنسان هذه الآية ووقف عليها عرف أنها احتوت على جميع المطالب المعتبرة في الدين .. رزقنا الله تعالى اتباع الحق واليقين .

ينظر : تفسير الرازي 19 / 55 ..

         ---------------------------------------

((لَئِنْ شَكَرتُمْ ?َزيدَنَّكُمْ ))

يقول الله تعالى : (( وإذْ تأذنَّ ربُكمْ لَئِنْ شَكَرتُمْ ?َزيدَنَّكُمْ )) ..

يقول الإمام الرازي (رحمه الله) : الشكر : هو الإعترافُ بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطينُ النفس على ذلك .. وأما الزيادة في النعم : فهي أن يكون الشاكر أبداً في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه فمن كثر إحسانه على الخلق أحبّوه لا محالة .. وإنَّ شغلَ النفس بمطالعة أنواع فضل الله تعالى وإحسانه يوجب تأكيدَ محبة العبد لله تعالى ..

ثم ليُعلم : أن مقام المحبة أعلى مقامات الصديقين فيترقى العبد إلى أن يصير حبُّه للمنعم شاغلاً له عن كل شيء، ولا شك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات معرفة الله تعالى ومحبته ..

فكلّ مقام حرَّك العبد من عالم الغرور إلى عالم السرور فهو المقام العالي الذي يوجب سعادة الدنيا والآخرة .. وقد ثبت بالاستقراء أن من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر كان وصول نعم الله إليه أكثر فالاشتغال بشكر الله تعالى يوجبُ مزيدَ النعم .. فإن من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من نعمه والله تعالى يقول : (( لَئِنْ شَكَرتُمْ لَأَزيدَنَّكُمْ )) ..

قال الله تعالى (( ... وَلَئنْ كَفرتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَديدٌ ))

يقول الإمام الرازي (رحمه الله) : المراد منه كفرانُ النعمة لأنه مذكور في مقابلة الشكر .. والسبب أن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة من الله تعالى ، والجاهل بالنعمة جاهل بالله تعالى والجهل بالله تعالى من أعظم أنواع العقاب والعذاب ..

ثم إن كلَّ ما سوى الله تعالى منقادٌ للحق عز وجل مِطواعٌ له ، فالمخلوقات بأسرها منقادةٌ للحق تعالى .. فإن كلَّ قلب حضر فيه نورُ معرفة الحق وشرفُ جلاله انقاد لصاحب ذلك القلب كلُّ ما سواه من المخلوقات .. بسبب حضور ذلك النور في قلبه .. أما إذا خلا القلبُ من ذلك النور ضَعُفَ وصار يستخدمه كلُّ من سواه ..

وبهذا الطريق الذوقي يحصل العلم بأن الإشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاحَ أبواب الخيرات في الدنيا والآخرة ، وأما الإعراض عن معرفة الحق تعالى يوجب انفتاحَ أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة (( مَنْ أَعرَضَ عن ذِكْرِي فَإِنَّ لهُ مَعِيشَةً ضَنْكا ))

ينظر : تفسير الرازي 19 / 76 ..

      ------------------------------------------

 

 

(وما زاد اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عزاً )

قال الله تعالى في موضع المدح لفاعليه : (( وَالْكاظِمِينَ الغَيظَ وَالعافِينَ عن النّاسِ )) ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : (من كظم غيضا وهو قادر على أن يُنفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يُخيره من أي الحور شاء) .. وليُعلم : أن العفو هو أن تستحق حقا فتُسقطه عمن ثبت بذمته .. فالله تعالى يقول : ((فَمَنْ عَفَا وَأَصلَحَ فَأجرُهُ على الله)) .. ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : (وما زاد اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عزاً ) .. وروي أن منادياً يُنادي يومَ القيامة : لِيقمْ مَنْ وقع أجرُه على الله تعالى ؟ فلا يَقومُ إلا من عفا عَمَّنْ ظَلَمَه ..

وشتم رجلٌ الصحابيَ الجليل عبدَ الله ابنَ عباسٍ (رضي الله عنه) فلما قضى مقالتَه قال :  يا عكرمةُ (تلميذه) انظرْ هل للرجل حاجةٌ فنقضيَها له ؟ فنكس الرجلُ رأسَه واستحيا .. 

ينظر : مختصر منهاج القاصدين ص 188 ..