مقالة علمية
نفحات رمضانية (3)
رمضان في فلسفة الزمن ودورة الشهور فرصة لإعادة صياغة الذات. فهو موسم لإصلاح وتهذيب النفوس وتقوية الإرادة. فبين امتناع المسلم عن المباحات وسعيه إلى الطاعات، يكتشف قدراته الكامنة على التغيير؛ مما يجعل رمضان شهراً لصناعة الشخصية وإعادة تجديد الالتزام.
مقال بقلم الأستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق/ أستاذ الفقه المقارن في كلية القانون-جامعة الانبار
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ }
((وَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ))
قوله تعالى ((َدعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) ..
يقول الامام الرازي (رحمه الله) : ومن مراتب سعادات أهل الجنة ومراتب كمالاتهم المذكورة في هذه الآية : ((لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ)) وقال ((يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ)) ..
والمعنى : أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى وتنزيهه والإقرار له بالإلهية ..
قال القاضي عياض : تلك طريقتهم في تمجيد الله تعالى وتقديسه فجعل لفظَ ((دعْوَاهُمْ)) كنايةً عن ملازمتهم ومواظبتهم لذلك الذكر ..
ومن معاني الآية : أنه لفضل التسبيح فأهل الجنة يتمنَّون أن يسبّحوا الله تعالى فعلم الله تعالى غاية منيتهم فبشرهم بقوله ((َدعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)) فالمراد أن اشتغال أهل الجنة بتقديس الله سبحانه وتمجيده والثناء عليه لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر وابتهاجهم به وسرورهم به وكمال حالهم لا يكون إلا منه .. وغاية سعادة السعداء ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال .. ولذا كان الملائكة المقرَّبون قبل تخليق آدم مشتغلين بهذا الذكر ((وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)) .. فألهمه الله تعالى السعداء من أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) .. سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ..
وأما قوله تعالى ((وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ)) .. فهي مرتبة أخرى من مراتب السعادات ..
قال المفسرون : تحيةُ بعضهم لبعض بالسلام وتحيةُ الملائكة لهم بالسلام قال تعالى : ((وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ)) .. وتحية الله تعالى لهم بالسلام بقوله تعالى ((سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ)) ..
يقول الرازي (رحمه الله) : وعندي فيه وجه آخر وهو أن مواظبتهم على ذكر الله تعالى مشعرةٌ بأنهم كانوا في الدنيا وهي منزل الآفات ومعرض المخافات .. فاذا بلغوا الجنة وصلوا الى كرامة الله تعالى وصاروا سالمين في الآفات آمنين من النقصان والمخافات وذكر الله تعالى عنهم هذا المعنى بقوله ((وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ # الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ)) ..
ومن مراتب سعادات أهل الجنة : قوله تعالى : ((وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) .. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( إن أهل الجنة يُلهمون الحمد والتسبيح كما تُلهمون أنفاسكم) ..
وليُعلم : أن أهل الجنة يَفتَتِحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه ويَختَتِمون بشكره والثناء عليه .. كما أنهم لما استسعدوا بذكر (سبحانك اللهم وبحمدك) وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات والمخافات علموا أن كل هذه الأحوال السنيّة والمقامات القدسيّة إنما تيسرت بإحسان الله تعالى وإفضاله وإنعامه ولهذا اشتغلوا بالحمد والثناء فقالوا ((الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) ..
ويقول الامام الرازي (رحمه الله) أيضا : إن لكل إنسان معراجا فتارةً ينزل عن ذلك المعراج وتارةً يصعد إليه ، ومعراج العارفين الصادقين معرفة الله تعالى وتسبيح الله وتحميد الله .. فإذا قالوا ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)) فهم في عين المعراج وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات كان الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين إليه وإليه الإشارة بقوله ((تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ)) ..
ثم إنه يصعد مرة أخرى إلى معراجه وعند الصعود يقول ((الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) ففي هذه الكلمات إشارة الى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول والعروج .. فهي كلمات خطرت بالبال ودارت في الخيال .. فإن حقت فالتوفيق من الله تعالى ، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة الله تعالى ولا حول ولا قوة الا بالله .
ينظر : تفسير الرازي41 /39 _ 17 .



