مقالة علمية
حقوق العمال في العراق بين النص والواقع: آفاق وتحديات
أ. د. عباس مفرج فحل/ فرع القانون العام - كلية القانون - جامعة الانبار
يُعد قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 الإطار الناظم لعلاقات العمل في جمهورية العراق، إذ جاء ليؤسس لعلاقة متوازنة بين العمال وأصحاب العمل ومنظماتهم، على أساس حماية الحقوق المتبادلة وتحقيق التنمية المستدامة القائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة، وضمان العمل اللائق للجميع من دون تمييز، وبما ينسجم مع الاتفاقيات العربية والدولية المصادق عليها قانوناً. كما هدف المشرّع إلى تنظيم عمل الأجانب العاملين أو الراغبين بالعمل في العراق، بما يعزز حماية سوق العمل الوطني ويصون الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وتسري أحكام هذا القانون على جميع العمال في جمهورية العراق ومن هم بحكمهم، مع استثناء فئات محددة، أبرزها:
- الموظفون العموميون المعينون وفق قانون الخدمة المدنية.
- أفراد القوات المسلحة ومنتسبو الشرطة والأمن الداخلي.
وقد أقرّ القانون حق المواطن في العمل الذي يقدر عليه، أو الذي تعمل الدولة على توفيره على أساس تكافؤ الفرص ومن دون أي تمييز، كما ضمن احتساب خدمة العامل الممنوح خدمة فعلية لأغراض تحديد الراتب والتقاعد عند تعيينه في دوائر الدولة أو القطاع العام، بما يعكس توجهاً تشريعياً يهدف إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي والاجتماعي.
إلا أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في النصوص القانونية بقدر ما تكمن في فجوة التنفيذ بين ما تقرره القواعد القانونية وما يفرزه الواقع العملي. فعلى الرغم من أن القانون يتضمن منظومة متكاملة من الحقوق والضمانات التي تقارب في مضمونها التشريعات المعمول بها في الدول المتقدمة، إلا أن نسبة كبيرة من هذه النصوص لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي، لأسباب متعددة يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولاً: تقاعس بعض أصحاب العمل عن تسجيل العمال في الضمان الاجتماعي
يُلاحظ عزوف عدد من أصحاب العمل عن إضافة أسماء العمال إلى صندوق الضمان الاجتماعي، تهرباً من الالتزامات المالية المترتبة عليهم. ويترتب على ذلك حرمان العامل من حقه في الراتب التقاعدي والتعويضات عن إصابات العمل أو الأمراض المهنية، بما يُفرغ الحماية الاجتماعية من مضمونها.
ثانياً: ضعف الوعي القانوني لدى العمال: يجهل عدد كبير من العمال حقوقهم القانونية، ولا سيما ما يتعلق بالاشتراك في الضمان الاجتماعي مقابل اشتراك شهري بسيط يكفل لهم مستقبلاً تقاعدياً آمناً وتعويضاً عند المرض أو العجز. ويؤدي هذا الجهل إلى قبولهم بشروط عمل مجحفة تتعارض مع أحكام القانون.
ثالثاً: الظروف الاقتصادية والاجتماعية العامة
إن الواقع الاقتصادي الذي يمر به العراق، وما يصاحبه من ارتفاع نسب البطالة وضغط المعيشة، يدفع العمال إلى القبول بأوضاع عمل مخالفة للقانون، كما يدفع بعض أصحاب العمل إلى تجاوز النصوص القانونية بحجة الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.
ولبيان الفجوة بين النص والتطبيق، يمكن الوقوف عند بعض الأمثلة:
- حظر عمل الأطفال: عرّفت المادة (1/الفقرة 21) من القانون الطفل بأنه كل شخص لم يتم الخامسة عشرة من العمر، كما نصت المادة (6/ثالثاً) على القضاء الفعلي على عمل الأطفال. غير أن الواقع يشهد انتشار ظاهرة عمل الأطفال في المطاعم، ومحال البيع، وأعمال الحمل والنقل، نتيجة الفقر أو التفكك الأسري، مع ضعف الرقابة الميدانية. وهذا الوضع يُعد إخلالاً خطيراً بالتزامات الدولة في حماية الطفولة.
- برامج التدريب المجاني للباحثين عن العمل
نصت المادة (26/رابعاً) على حق الباحثين عن العمل في الالتحاق ببرامج تدريب مجانية. إلا أن محدودية البرامج المتاحة وضعف استيعابها لأعداد العاطلين، الذين يقدَّرون بالملايين، يجعل هذا النص غير ذي أثر عملي واسع، مما يستدعي تعزيز سياسات التدريب المهني وربطها باحتياجات سوق العمل. - تحديد ساعات العمل اليومية أوجبت المادة (67/أولاً) ألا تزيد ساعات العمل اليومية على (8) ساعات. إلا أن كثيراً من العمال، ولا سيما في الأسواق والمحال التجارية، يعملون لساعات طويلة تمتد من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل، من دون أجر إضافي أو تنظيم لساعات العمل الإضافي، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للنص القانوني.
- تنظيم العمل الليلي حددت المادة (69/ثانياً) ألا تزيد ساعات العمل الليلي على (7) ساعات، غير أن التطبيق العملي يكشف عن تجاوز هذا الحد في العديد من القطاعات، من دون رقابة فعالة.
- الراحة الأسبوعية مدفوعة الأجر: نصت المادة (70/أولاً) على حق العامل في راحة أسبوعية لا تقل عن (24) ساعة متواصلة بأجر. إلا أن بعض العمال لا يتقاضون أجراً عن يوم الراحة، أو يُحرمون منها كلياً، مما يشكل انتقاصاً من حقهم في التوازن بين العمل والحياة.
- الأعياد والعطل الرسمية أقرت المادة (74/أولاً) حق العامل في التمتع بالأعياد والعطل الرسمية مع تقاضي أجر كامل عنها. غير أن عدداً من أصحاب العمل لا يلتزمون بدفع الأجر عن هذه الأيام، أو يُلزمون العمال بالعمل من دون تعويض مناسب.
- عمل المرأة ليلاً: حظرت المادة (86/أولاً) تشغيل المرأة العاملة ليلاً، حمايةً لخصوصيتها وظروفها الاجتماعية، إلا أن الواقع يشهد عمل عدد كبير من النساء ليلاً في المراكز التجارية والأسواق، في مخالفة واضحة للنص، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في آليات الرقابة والتوفيق بين مقتضيات الحماية ومتطلبات سوق العمل الحديث.
- ختاماً يتضح مما تقدم أن قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 يمثل إطاراً تشريعياً متقدماً من حيث الصياغة والمبادئ، غير أن فعاليته مرهونة بتفعيل آليات التنفيذ والرقابة، ونشر الثقافة القانونية بين العمال وأصحاب العمل، وتعزيز دور مفتشي العمل، وربط السياسات الاقتصادية بالتشريعات الاجتماعية. فالنص القانوني، مهما بلغ من الدقة والحداثة، يبقى عاجزاً عن تحقيق أهدافه ما لم يقترن بإرادة تنفيذية حازمة ووعي مجتمعي داعم، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويصون كرامة العامل بوصفه ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد الوطني.



