نفحات ايمانية

نفحات ايمانية

دروس وعبر من نفحات الشهر الفضيل

الصيامُ مدرسة شاملة تُعلم المسلم وتُهذب الأخلاق، وتجدد العزيمة ، وتُعزز القيم. وتغرسُ مراقبة الله في السر والعلن.

مقالٌ بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق- كلية القانون - فرع القانون الخاص

(1)- {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}

يقول الله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183 ) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) ))

قَالَ الْقَفَّالُ (رَحِمَهُ اللَّهُ) : انْظُرُوا إِلَى عَجِيبِ مَا نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ سَعَةِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ :

أولا : أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ أَنَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ أُسْوَةً بِالْأُمَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأُمُورَ الشَّاقَّةَ إِذَا عَمَّتْ خَفَّتْ ..

ثَانِيًا : بَيَّنَ تعالى وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي إِيجَابِ الصَّوْمِ وَهُوَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِحُصُولِ التَّقْوَى فَلَوْ لَمْ يَفْرِضِ الصَّوْمَ لَفَاتَ هَذَا الْمَقْصُودُ الشَّرِيفُ ..

ثَالِثًا: بَيَّنَ تعالى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ أَبَدًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ لَحَصَلَتِ الْمَشَقَّةُ الْعَظِيمَةُ ..

رَابِعًا: أَنَّهُ خَصَّهُ مِنَ الْأَوْقَاتِ بِالشَّهْرِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ لِكَوْنِهِ أَشْرَفَ الشُّهُورِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ ..

خَامِسًا: إِزَالَةَ الْمَشَقَّةِ فِي إِلْزَامِهِ فَأَبَاحَ تَأْخِيرَهُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَالْمَرْضَى إِلَى أَنْ يَصِيرُوا إِلَى الرَّفَاهِيَةِ وَالسُّكُونِ .. والله أعلم .      

قال أهلُ العلم : والحكمةُ في الصَّوم حصولُ التّقوى لمباشِرِه إذ لا مَشروعَ أدلُّ على الّتقوى منه فإن مَنْ أدّى هذه الأمانةَ كان أشدَّ أداءً لغيرها من الأمانات وأكثرَ اتّقاءً لما يُخافُ حُلولُه من النِّقمة بمُباشرة شَيء من القاذورات ، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} ..

وفيه معرفةُ قَدرِ النّعمة ومَعرفةُ ما عليه الفقراءُ من تَحمّل مرارةِ الجوعِ ليكون حاملاً على مواساتِهم ..

وفيه إطفاءُ حرارةِ الشَّهوة المُنسِيةِ للعَواقب ، وفيه ردُّ النَّفسِ الأمّارة بالسّوء وانقيادُها لطاعة مولاها .. وإلى غير ذلك من معانٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى من قوله : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}. 

ينظر : ينظر : تفسير الرازي (5/ 243)  . حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ? / ???