نفحات ايمانية 2
نفحات رمضانية (2)
دروس وعبر من الشهر الفضيل:
رمضان ليس مجرد شهر للصيام، بل هو فرصة لإعادة ضبط الساعة النفسية والروحية للمسلم:
بقلم الاستاذ الدكتور محمود إبراهيم عبد الرزاق التدريسي في فرع القانون الخاص....
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (2) ..
((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ))
يقول الله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس : 9])) ..
يقول الامام الرازي (رحمه الله) : إن النفس الانسانية لها قوتان : القوة النظرية : وكمالها معرفة الأشياء ورئيس المعارف وسلطانها (معرفة الله تعالى) .. والقوة العملية : وكمالها فعل الخيرات والطاعات ورئيس الأعمال الصالحة وسلطانها (خدمة الله تعالى) .. فقوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ)) إشارة إلى كمال القوة بمعرفة الله تعالى ، وقوله ((وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ)) إشارة إلى كمال القوة العملية بخدمة الله تعالى .. ولما كانت القوة النظرية مقدَّمة على القوة العملية بالشرف والرتبة وجب تقديها بالذكر .. فمعنى قوله ((الَّذِينَ آمَنُواْ)) أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ..
وقوله تعالى ((وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ)) أي شغلوا جوارحهم بالخدمة .. فعيونهم مشغولة بالاعتبار ((فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)) .. وآذانهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى ((وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ)) .. وألسانتهم مشغولة بذكر الله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً)) .. وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله تعالى كما قال ((أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)) .. ولما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر مراتب كراماتهم فقال ((يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)) ..
ثم ليعلم : ليعلم أنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربع : الأولى : ((يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)) وفيه وجوه :
منها : إنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة قال تعالى : ((يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ)) ..
قال مجاهد (رحمه الله) : المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة .. ويقول ابن الأنباري (رحمه الله) : يهديهم إيمانهم إلى خصائص في المعرفة ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير به قلوبهم وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات قال تعالى : ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ)) وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يمكن أن تحصل لهم في الدنيا قبل الموت كما يمكن حصولها بعد الموت .. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة ... ) .
ومن المراتب المذكورة في هذه الآية : أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة ..
وإذا عُلم هذا فنقول : إن الانسان إذا آمن بالله تعالى فقد أشرقت روحه بنور هذه المعرفة ، ثم إذا واضب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه إلى الآخرة وفي الإعراض عن الدنيا .. فكلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد .. وكلما كان الاستعداد أقوى وأكمل كانت معارف المعارج أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى .. ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار القدسية ، لذا لا نهاية لمراتب هذه الهداية التي يشير اليها قوله تعالى (( يهديهم ربهم بإيمانهم )) .
ينظر : تفسير الرازي ?? / ?? .
----------------------
ومن روائع سيدنا إبراهيم بن أدهم (رحمه الله تعالى) :
كان يقول : وأيُّ دين لو كان له رجال ! فمن طلب العلم لله كان الخمول أحب إليه من التطاول .. ووالله ما الحياة بثقة فيُرجى نومُها ، ولا المنية بعذر فيُؤمن عذرُها ..ففيم التفريط والتقصير والإتكال والأبطاء ؟ .. قد رضينا من أعمالنا بالمعاني .. ومن طلب التوبة بالتواني .. ومن العيش الباقي بالعيش الفاني .. وكان (رحمه الله) يقول : ما صدق الله عبدٌ أحبَّ الشهرة .
ينظر : سير أعلام النبلاء ? / ??? .



